واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
خد العروس

تم النشر أول مرة بتاريخ10/01/2006 07:08:00

كنت في العقد الاول من العمر، طفلا صغيراً لا تتجاوز حدود معارفه اسوار البلدة القديمة لمدينة نابلس، وغالبا ما كنت الهو على درج المنزل الأملس الناعم جداً، ذلك البلاط الاصفر المائل الى البني قليلاً، وكثيرا ما تساءلت عن سبب نعومة درجات سلم منزلنا ومنازل جيراننا في الحي الذي كنا نسكنه، لاكتشف لاحقاً ان سبب هذه النعومة هو العمر الطويل لهذه الدرجات، حيث داستها اجيال واجيال من السكان لتصبح اكثر نعومة من خد الفتاة في يوم عرسها.

 

وللحديث عن خد العروس مناسبة اخرى، إذ ُتطلق هذه التسمية على ذلك النوع المتواضع من حلوى الاطفال، هذه الحلوى التي يطوف بها الباعة المتجولون في الشوارع والازقة وهم ينادون بأعلى صوتهم: "خد العروس، قرب وبوس"، وكنت كباقي اطفال الحي ممن تعجبهم وترضي مطالبهم قطعة من خد العروس، بل كان بعضنا يتلذذ بشراء هذه قطعة من الحلوى والجلوس على قارعة الطريق للتلذذ بتذوقها ببطء امام اعين الاطفال الاخرين الذين يسيل لعابهم لمجرد رؤيتها. كان القليل من الترفيه يشبعنا، لم تتوافر لدينا وسائل الترفيه المتوافرة لاطفال اليوم، كنا اكثر قناعة، واكثر بؤسا.

 

وفي يوم من الايام، اقترح علي والدي ان اقوم ببيع خد العروس متنقلا من حارة لاخرى، وذلك كي اتعلم شيئا جديدا في العطلة المدرسية الصيفية، وهذا ما حصل بالفعل، حيث ذهبت الى الجبل الشمالي في منطقة قريبة من مدفع شهر رمضان، حيث يوجد معمل للحلويات يبيع كراتين خد العروس، واشتريت واحدة منه، وقال لي البائع كيف ابيع من اجل ان اتمكن من تحقيق بعض الربح بعد الحصول على رأس المال الذي دفعته له مقدماً.

 

وبدأت رحلة تجوالي في شوارع البلدة القديمة التي يغلب على سكانها الفقر والعوز، وبدأت اصرخ بأعلى صوتي وبكل حماسة: "خد العروس، قرب وبوس" ومضى وقت طويل قبل ان اتمكن من بيع اول قطعة، يا الهي، لدي عشرات القطع، متى سأتمكن من بيعها! وبدأ صوتي يخبو: خد العروس... قرب وبوس.

 

تجولت في الاحياء المجاورة، وخطرت ببالي فكرة، لماذا لا اذهب الى موقف الباصات المتوجهة الى القدس! ذهبت الى موقف الباصات الذي كان ُيسمى بباصات إدفش، والموجود في شارع الملك فيصل مقابل البلدية، كانت هذه الباصات اقصر طولا من الباصات الموجودة اليوم، واكثر ضجيجاً، كما يوجد لها مقدمة طويلة، وسميت بهذا الاسم نظراً لبطئها الشديد وكثرة تعطلها. صعدت الى الباص الذي سبقني بالصعود اليه بائع الجريدة وبائع الكعك المسمسم، لم اتمكن من اقناع اي زبون بشراء ولو قطعة واحدة من خد العروس، نزلت من الباب الخلفي بعد ان صرخ بي أحدهم، ارتبكت، كانت درجات سلم الباص مرتفعة يملؤها الصدأ والزيت، كما كانت ارض الشارع التي يقف فيها الباص مغطاة بالتراب، إنزلقت قدمي عن درج الباص ووقعت على الارض سريعا، وتناثرت خدود العروس.

 

ساعدني بعض الركاب على الوقوف بينما كنت ابكي على قطع الحلوى التي تمرغت بالتراب، وتذكرت حينها رأس المال الذي ذكرني به صاحب معمل الحلوى، "يجب عليك ان تبيع هذه العلبة بثمن اكبر من الثمن الذي دفعته لي"، بكيت اكثر عندما تذكرت انني لم ابع شيئا ُيذكر، ليس هذا وحسب، بل لقد اتسخت باقي قطع الحلوى بالتراب.

 

قمت بجمع قطع الحلوى عن الارض، وجلست على قارعة الطريق لاقوم بتنظيفها واحدة واحدة، وامتلأت أصابعي بالسكر الذي الصقها ببعضها البعض، بينما كانت دموعي تنهمر على قطع الحلوى وانا اقوم بازالة التراب عنها واحدة تلو الاخرى.

 

قلت في نفسي: يجب ان اتجه الآن الى الاحياء الغربية من البلدة القديمة، حيث الظلام دائم ليلا نهاراً، ولن يستطيع الصبية ملاحظة ما حصل لخدود العروس، ذهبت مسرعا الى ذلك الجزء من البلدة القديمة، وسررت بلقاء احد اصدقاء والدي الذي اشترى مني معظم ما احمل، ولكنني سريعا ما استنتجت انه كان يشجعني على العمل، اذ لم يكن في حاجة للشراء، لكنه بادر الى ذلك عندما عرف بما حدث لي في الباص، وقد آلمني ذلك كثيراً، إذ شعرت بمعنى الشفقة في عيونه.

 

وعدت مساءً الى المنزل، متسخ الملابس، مرهق الجسد، لافكر بمبادرة اكثر نجاحا، لابدأ بها في يوم لاحق، وليراني من شاهدني في الايام الماضية بائعاً لخد العروس اسير في البلدة القديمة حاملاً البلالين واصرخ عالياً: " هيا الضربة، أضرب تربح".

 

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) فؤاد
الموضوع وطريقة السرد وتسلسل الأحداث رائع. كنت أعيش معك لحضات هذه القصة وكأني أنا من يرويها. حقيقة انك انسان صاحب ذوق رفيع

2) Basel Masri
Never knew you are such a great writer man :) very Nice

3) محمد دويكات
سعدت بمطلع قصتك الجميلة، خاصة مطلعهاالذي يتحدث عن ادراج المباني القديمة اذ اعتبرها قصة معمارية تتقاطع وتوجهي الادبي في العمارة، مع تحفظي ان خد العروس لا يداس كالادراج انما يباس! كما كتبت انت، ولكني حزنت فعلا عندما تذكرت جزءا من طفولتنا الضائعة.

4) liana
so nice.. actually...touchy..alittel bit.. well the fact that most of our children are living that kind of life...makes me sad..:(